الدونِيَّة وَالرَّفض

 
في فِلِسطين عومِلتُ بِدونِيّة  وَقوبِلتُ بالرَّفض مِن قِبَل مُحيطي منذ كُنت في الثالثة مِن عُمري. لَقّد بَدَأ الأمر في بَيت أَبي، كانت الذَبذبات السَّلبِيَّة الخارِجةُ مِن والِدي كَوْني بِنت تَصل إلَي وتُعكِّرُ عَلي طُفولَتي، كُنتُ أَشعُرُ بأني غَير مَرغوبٍ فِيَّ لِمُجرد أني كُنت الإبنَةَ الثانِيَة على التوالي مِن بَعدِ أُختي الكُبرى. عِندَما وُلِدَ أخي الذّكر انتشت النفوسُ مِن حَوْلي واغتَبَط الوجود لِكَونِهِ ذكر، وأحسَست بتِلكَ التّفرِقة وَلَم أَفهم لماذا كانت تُثير فِيَّ المَرارة.
 وَكَبرتُ وكَبُرَشُعوري بِأنّني دون وأَنّني مَرفوضة، وَذَلِكَ الشُّعور لَم يَكُن شُعورا كاذبا او ضربا مِن خَيال، بل كان شُعورا مَبنِيّا على مُعطياتٍ مِن الواقع. تِلكَ النّظرَةُ الدونِيَّة لي لَم تَكُن بِسبب كَوْني أُنثى يَنظَرُ إليها الى أَنها ضَعيفة وأَساس الشّرور وَالمَكائِد فقط، بل كانت اَيضا بِسَبب كَوْني  مِن قَرية. نَعَم ففي فِلَسطين في اواخر القرن العشرين وبِداية القرن الواحد والعشرين كان يُنظَرُ للفلّاحين على أنهم أدنى درجة ممن يَسكُنون المُدن، وَكَم كان ذَلِك يُضايِقني وَكَم كُنت أَنشُدُ القُبول مِن قِبل مُجتَمعي بِغَضِّ النَّظر عَن كوني إبنة مَدينةٍ أَوْ قَريةِ أو كُنت أمرأةً أَوْ رَجُلاً 
وَتَخرَّجتُ مِن الجامِعَة وَتَوظّفت في ذات الجامعة في تدريس اللغة الإنجليزية وَقد كُنت حينَها في الواحد والعِشرين مِن العُمُرِ في عام 2010، وفي اثناء عَمَلي كانت الإدارة تَسعى الى إستِقطاب مُدرسينَ للغة الإنجليزيةِ مِن دُولٍ تَتَحدثُ اللغة الإنجليزية كَبريطانيا أو امريكا، وكان ذلِك يُغضِبُني لإن أولاد البَلَد أحق بِوظائفها مِن غَيرِهِم، فكَثيرٌ مِن بَناتنا وأَبنائنا كانوا بِحاجَة عَمَل وكان يَتم تفضيل الاوروبي او الامريكي على بنات وأبناء البَلَد كلما أُتيحت الفُرصة، وذلِكَ كان يُعزز شعور الغضَب عِندي، كانت حُجة الادارة هُو تَحسين نَوعية التعليم، ولَكن لو كانوا فِعلا يُريدون تَحسين نَوعِيّة التعليم كان الاحرى بهم ارسال بناتنا وابنائنا لدورات تعليمية في بلاد كَبريطانيا او أمريكا ثُم يَضمنون لهم العَوْدة للنهوض بمستوى تعليم اللغة، لَكن هذا لَم يُكن الحال حينها، فعقدة الرَّجُل الابيض كانت تَرزحُ على صُدورنا. تلك العُقدة لم تُصبني ولَم أَسمَح لها بأن تُصيبني لأنَّني كُنت مُؤمنة  بقدراتي في التدريس والإبداع وَلم أَرَ أنّ الاوروبي أو الامريكي أَفصل مني بشيء.
حال البَلَد البائس وغياب العَدل وانتشار السلوكيات المُجتمعية المُدمرة وَشعُوري بالقَهر وغياب إرادَتي في تَسيير حَياتي دفعتني بأن أخرج مِن بَلَدي وأُسافر الى اقصى شَمال القارة الاوروبيةِ. وفي هذا البَلَد الذي يَدّعي التّقدم الثقافي و التّحضر،تَم مُعامَلتي كأنني دوناً عَن أهل البَلَد، أَمّا شعوري بالرّفض لَم يَختَفِ بل بَدَأ يَنتَفِخ كَإلتِهاب مَليء بِالقَيح وَمُثيرٍ للإشْمِئزاز، ففي البَلَد التي أختَرتُ العَيشَ بِها يتِم تَقديمي في الإعلام على أَنني العرَبِيّة الإرهابية وَالهَمَجية وانّني مَن جاء الى بِلادِهم لأنهبَ مالَهُم وَأعيث الفَساد في دِيارِهم. وَطَبعا يُمكنني المُكوث في بِلادِهم طالما أنني أعمل في التنظيف فأُلمّع حَمّاماتهم وأُزيل قُمامتِهم أو اقود الباصَ لَهم.

يَضيقُ صَدري بِالكون البائس هذا وَكثيرا ما تنتابُني الحيرَةُ ولا أعرف السبيل الى الخَلاص مِن تلكَ النظرةِ الدونية وذلكِ الرّفض المُؤلِم، فلا أَستطيع الرجوع الى بَلَدي ولست قادِرة على المُكوث هُنا في ظل الوَجِع النفسِي هذا، أَبلغ مِنَ العُمُر 33 عاما ولَم يَحدث في لَحظة أن شَعَرتُ بِالقُبول، أمضيتُ العُمُريُنظَرُ إلَيَّ أنّي كَإِمرَأَةٍ دون الرَجل و كَقَرَوِيّةِ دون ابنِ المَدينة وَكعَرَبِيّةِ دون العِرق الأبيض.

الثّلاثاء

5.4.2022

في الصّباح الساعة 7.30

 


Comments

Popular posts from this blog

هذا الدمُ نَجس

البَحث عن طَبيب نَفسي